القرطبي

186

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

هم بنو الحارث وبنو الخزرج وبنو النبيت ، والنبيت هو عمرو بن مالك من بني الأوس . والفشل عبارة عن الجبن ، وكذلك هو في اللغة . والهم من الطائفتين كان بعد الخروج لما رجع عبد الله بن أبي بمن معه من المنافقين فحفظ الله قلوبهم فلم يرجعوا ، فذلك قوله تعالى : " والله وليهما " يعني قلوبهما عن تحقيق هذا الهم . وقيل : أرادوا التقاعد عن الخروج ، وكان ذلك صغيرة منهم . وقيل : كان ذلك حديث نفس منهم خطر ببالهم فأطلع الله نبيه عليه السلام عليه فازدادوا بصيرة ، ولم يكن ذلك الخور ( 1 ) مكتسبا لهم فعصمهم الله ، وذم بعضهم بعضا ، ونهضوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أطل على المشركين ، وكان خروجه من المدينة في ألف ، فرجع عنه عبد الله بن أبي بن سول بثلاثمائة رجل مغاضبا ( 2 ) ، إذ خولف رأيه حين أشار بالقعود والقتال في المدينة إن نهض إليهم العدو ، وكان رأيه وافق رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبى ذلك أكثر الأنصار ، وسيأتي . ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين فأستشهد منهم من أكرمه الله بالشهادة . قال مالك رحمه الله : قتل من المهاجرين يوم أحد أربعة ، ومن الأنصار سبعون رضي الله عنهم . والمقاعد : جمع مقعد وهو مكان القعود ، [ وهذا ] ( 3 ) بمنزلة مواقف ، ولكن لفظ القعود دال على الثبوت ، ولا سيما أن الرماة كانوا قعودا . هذا معنى حديث غزاة أحد على الاختصار ، وسيأتي من تفصيلها ما فيه شفاء . وكان مع المشركين يومئذ مائة فرس عليها خاله بن الوليد ، ولم يكن مع المسلمين يومئذ فرس . وفيها جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه وكسرت رباعيته اليمنى السفلى بحجر وهشمت البيضة ( 4 ) من على رأسه صلى الله عليه وسلم ، وجزاه عن أمته ودينه بأفضل ما جزى به نبيا من أنبيائه على صبره . وكان الذي تولى ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن قميئة الليثي ، وعتبة بن أبي وقاص . وقد قيل : إن عبد الله بن شهاب جد الفقيه محمد بن مسلم بن شهاب هو الذي شج رسول الله صلى الله عليه وسلم في جبهته . قال الواقدي : والثابت ( 5 ) عندنا أن الذي رمى في وجه ( 6 ) النبي صلى الله عليه وسلم ابن قميئة ، والذي

--> ( 1 ) كذا في د وز وب . ( 2 ) كذا في دوب وه‍ وج‍ . ( 3 ) من دوب وه‍ . ( 4 ) البيضة : الخوذة ، وهي زود ينسخ على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة ، وفى ب ود وه‍ ، هشمت البيضة رأسه . ( 5 ) في ب ود وه‍ : الثبت . ( 6 ) في د وه‍ وب ، وجني النبي .